فخر الدين الرازي

151

تفسير الرازي

الأشياء ، وبعثته إليك فلا ترده علي فارغاً ، بل املأه من العبودية ليتحقق معنى : " تهادوا تحابوا " فكأن محمداً عليه السلام قال : بأي شيء أملأ ظرف هديتك وأنا فقير ، فيقول الله في المعنى : إن لم تجد شيئاً آخر فلا أقل من تحريك اللسان بالتسبيح والحمد والاستغفار ، فلما فعل محمد عليه الصلاة والسلام ذلك حصل معنى تهادوا ، لا جرم حصلت المحبة ، فلهذا كان محمد حبيب الله الوجه السابع : كأنه تعالى يقول : إذا جاءك النصر والفتح ودخول الناس في دينك ، فاشتغل أنت أيضاً بالتسبيح والحمد والاستغفار ، فإني قلت : " لئن شكرتم لأزدينكم " فيصير اشتغالك بهذه الطاعات سبباً لمزيد درجاتك في الدنيا والآخرة ، ولا تزال تكون في الترقي حتى يصير الوعد بقولي : * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * الوجه الثامن : أن الإيمان إنما يتم بأمرين : بالنفي والإثبات وبالبراءة والولاية ، فالنفي والبراءة قوله : * ( لا أعبد ما تعبدون ) * والإثبات والولاية قوله : * ( إذا جاء نصر الله ) * فهذه هي الوجوه الكلية المتعلقة بهذه السورة . واعلم أن في الآية أسراراً ، وإنما يمكن بيانها في معرض السؤال والجواب . السؤال الأول : ما الفرق بين النصر والفتح حتى عطف الفتح على النصر ؟ الجواب : من وجوه أحدها : النصر هو الإعانة على تحصيل المطلوب ، والفتح هو تحصيل المطلوب الذي كان متعلقاً ، وظاهر أن النصر كالسبب الفتح ، فلهذا بدأ يذكر النصر وعطف الفتح عليها وثانيها : يحتمل أن يقال : النصر كمال الدين ، والفتح الإقبال الدنيوي الذي هو تمام النعمة ، ونظير هذه الآية قوله : * ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ) * وثالثها : النصر هو الظفر في الدنيا على المنى ، والفتح بالجنة ، كما قال : * ( وفتحت أبوابها ) * وأظهر الأقوال في النصر أنه الغلبة على قريش أو على جميع العرب . السؤال الثاني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبداً منصوراً بالدلائل والمعجزات ، فما المعنى من تخصيص لفظ النصر بفتح مكة ؟ والجواب : من وجهين أحدهما : المراد من هذا النصر هو النصر الموافق للطبع ، إنما جعل فظ النصر المطلق دالاً على هذا النصر المخصوص ، لأن هذا النصر لعظم موقعه من قلوب أهل الدنيا جعل ما قبله كالمعدوم ، كما أن المثاب عند دخول الجنة يتصور كأنه لم يذق نعمة قط ، وإلى هذا المعنى الإشارة بقوله تعالى : * ( وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ) * ، وثانيهما : لعل المراد نصر الله في أمور الدنيا الذي حكم به لأنبيائه كقوله : * ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ) * . السؤال الثالث : النصر لا يكون إلا من الله ، قال تعالى : * ( وما النصر إلا من عند الله ) * فما الفائدة في هذا التقييد وهو قوله : * ( نصر الله ) * ؟ والجواب معناه نصر لا يليق إلا بالله ولا يليق أن يفعله إلا الله أو لا يليق إلا بحكمته ويقال : هذا صنعة زيد إذا كان زيد مشهوراً بإحكام الصنعة ، والمراد منه تعظيم حال تلك الصنعة ، فكذا ههنا ، أو نصر الله لأنه إجابة لدعائهم : * ( متى نصر الله ) * فيقول هذا الذي سألتموه .